الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

23

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

ادخروا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 ) أي يضرون ، لنقص أنفسهم حظها من النعيم . وَإِذْ قُلْنَا لهم بعد خروجهم من التيه على لسان موسى أو على لسان يوشع ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ . روي أن موسى عليه السلام سار بعد انقضاء الأربعين سنة بمن بقي من بني إسرائيل ففتح أريحا - بفتح الهمزة وكسر الراء - قرية الجبارين وهي بين القدس وحوران ، وأقام فيها ما شاء اللّه ، ثم قبض فيها ، وقيل : إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن اللّه تعالى أمره بقتال الجبابرة ، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة ، وصار الشام كله لبني إسرائيل فَكُلُوا مِنْها أي تلك القرية حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً أي موسعا عليكم وَادْخُلُوا الْبابَ أي باب القرية . أي من أيّ باب كان من أبوابها السبعة ، أو من باب يسمى « باب الحطة » ، أو « باب القبة » التي كانوا يصلون إليها ، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام سُجَّداً أي منحنين متواضعين كالراكع . وَقُولُوا حِطَّةٌ أي إن القوم أمروا بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح ، والاستغفار باللسان . وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب . والمعنى حط عنا ذنوبنا حطة نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ . وقرأ نافع بالتذكير وابن عامر بالتأنيث على البناء للمجهول . والباقون بالنون المفتوحة وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بالطاعة في حسناتهم فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي أمر لهم ، أي فدخلوا الباب زاحفين على أدبارهم قائلين حنطة على شعيرة استخفافا بأمر اللّه تعالى . فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي غيروا الأمر رِجْزاً أي طاعونا مقدرا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) أي بسبب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة . روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا . فهذا الوباء غير الذي حلّ بهم في التيه وَ اذكروا إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ في التيه فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وكانت العصا من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع على طول موسى ، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا ، حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها لموسى . وروي أن ذلك الحجر حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة جوانب ، وكان ذراعا في ذراع ، ينبع من كل وجه ثلاثة أعين ، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف وسبعة . المعسكر اثنا عشرة ميلا . وقيل : كان حجرا أعطاه اللّه عليه اثني عشر ثديا كثدي المرأة يخرج من كل ثدي نهر إذا ضرب عصاه عليه . فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً أي نهرا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ أي سبط مَشْرَبَهُمْ أي موضع شربهم من نهرهم ؛ روي أنه كان لكل سبط عين من اثنتي عشرة عينا لا يشركه فيها غيره . وقلنا لهم : كُلُوا من المنّ والسلوى وَاشْرَبُوا من الأنهار